أخبار

“فينك يا غالية”.. معرض فني يوثق مسار السيدة “نعمة” وردة الغناء التونسي

رغم عمق وغنى التجربة الغنائية لدى مطربة تونس الأولى السيدة “نعمة” (حليمة الشيخ)، فإن الفنانة ظلت منسية إلى حد ما في الوسط الغنائي العربي.

وتعتبر المطربة نعمة (1934-2020) أحد أبرز الأصوات الفنية التي اكتسحت الغناء العربي منذ بواكيره الأولى خلال خمسينيات القرن المنصرم، تاركة وراءها إرثا فنيا غنيا، تجاوز 350 أغنية لأكبر المؤلفين والملحنين داخل تونس.

وقد كانت إلى جانب الغناء، تعمل موظفة بالتلفزيون التونسي لسنوات طويلة، مع العلم أن عملها في الوسيط البصري لم يُساهم في صناعة شهرة الفنانة كما يحدث اليوم، حيث أضحى في السنوات الأخيرة وسيلة بصرية مهمة لكثير من المطربين.

لا تزال أعمال نعمة حتى اليوم تجذب آذان المستمعين، وتنثر الدهشة والطرب والجمال في نفوس كل من يسمعونها نظرا إلى الأثر الجمالي الذي تنحته أغانيها صوتا وتأليفا وتلحينا. أغان لا تؤكد سوى المكانة التي ظل يحبل بها المجتمع التونسي في ذلك الوقت المبكر من مسار حداثة الأغنية العربية.

فأغاني نعمة اليوم لا تُستهلك بوصفها منتجات فنية غايتها الاستمتاع والترفيه بقدر ما تغدو وثيقة تاريخية تؤرخ لمسار الفنانة التونسية في علاقتها بفن الغناء.

“فينك يا غالية”

خصصت وزارة الثقافة التونسية، في قاعة مسرح الأوبرا بتونس، معرضا فنيا بمناسبة أربعينية رحيل نعمة، يمتد إلى مُنتصف يناير/كانون الثاني الجاري، موسوما بعنوان “نعمة.. فينك يا غالية” كاعتراف بأهمية الفنانة في تاريخ الأغنية التونسية المعاصرة من خلال استعادة مسارها الإبداعي والفني عن طريق جملة من الصور والوثائق والشهادات والعلاقات والتسجيلات الصحافية والغنائية، التي توثق تجربتها الفنية الممتدة لنحو 40 سنة قبل أن تعلن عن اعتزالها الغناء خلال تسعينيات القرن العشرين بسبب ظروف صحية ألمت بها.

لكن ذلك، لم يمنع مطربة تونس الأولى من الاستمرار في محبة الغناء، وتتبع كل جديد فني مرتبط بالساحة الغنائية التونسية.

وعلى الرغم من أن المعرض يبدو وكأنه اعتراف متأخر لسيرة فنانة من حجم “نعمة”، فإنه سلط الضوء بقوة على بعض الصور والتسجيلات التي تعرض لأول مرة من داخل أرشيفها البصري من أجل التأكيد على أهمية تجربتها الغنائية في مخيلة الجيل الجديد داخل المنطقة المغاربية.

ولا تزال الأجيال الجديدة مرتبطة بعلاقة وطيدة مع أغاني نعمة بسبب خفة أغانيها وتنوّع خامات صوتها وما تحمله من أسرار وجماليات على مستوى تعاطيها مع النص، بفرح واحتفال يتسرب وقعهما على حدة الصوت.

سحر لا ينضب

إن هذا السحر الذي ظلت تمارسه نعمة بجمال صوتها، بعيدا عن عالم الإذاعة والتلفزيون، ساعدها على نحت صورتها الآسرة في وجدان المجتمع التونسي خلال الستينيات والسبعينيات بمعزل عن هذا الوسيط البصري، وأن تبقى فنانة الشعب ومعلمة الغناء الأولى في تونس.

ورغم اكتساح الأغاني الحديثة السوق الفني، فإن ذلك لم يدفع المطربة “نعمة” إلى أن تلوذ إلى تغيير تجربتها الفنية وأنماطها الموسيقية تماشيا مع أجندات المؤسسات الإنتاجية وتوزيعها والركون إلى أغنية ترفيهية واستهلاكية أضحت مطلبا فنيا للجماهير ونموذجا أيقونيا لصورة الأغنية العربية.

أغانٍ من قبيل “الدنيا هانية” و”الليلة آه يا ليل” و”يا ناس ماكسح قلبو” و”مشى في بالك جد علي” وغيرها من الأغاني الشعبية التي اشتهرت بها “نعمة” منذ لحظة خروجها من بلدة “أزمور” وزواجها لاحقا وهي في 16 سنة، لا تزال متوفرة اليوم داخل أرشيف الأغنية التونسية وعبر وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، وتعرض فيديو كليباتها بالأبيض والأسود ومقابلاتها التلفزيونية وهي فنانة حالمة في ريعان شبابها، وتخترق واقع الأغنية التونسية وترسم لها آفاقا فنية وجمالية، ستكون بمثابة نشيد خفي لكل المكلومين والعاشقين.

مسارح الشرق

على الرغم من أن نعمة لم تغادر يوما تونس صوب مدن مشرقية من أجل الاستقرار، وتغذية موهبتها الغنائية بالاشتغال مع أكبر الملحنين من داخل مصر أو سوريا أو العراق، خاصة وأن البلدان المغاربية (تونس والجزائر والمغرب) لم تكن تعرف زخما فنيا على مستوى الغناء من حيث الملتقيات والمهرجانات والسهرات الكبرى، التي اشتهرت بها مصر في تلك الفترة.

وكانت مسارح مصر شاهدة على أكبر الثورات الفنية على مستوى الأغنية والتحامها بقضايا سياسية واجتماعية، وأغلب المطربات اللواتي ارتدن هذه المسارح في العصر الذهبي المصري ولجن بسرعة طريق الشهرة، وظلت أغانيهن على تواضع بعضها منتشرة على طول البلاد العربية عن طريق الإذاعة والتلفزيون.

وقد كان غياب نعمة عن تلك المسارح سببا في عدم حصولها على ما تستحقه من مكانة داخل وجدان المؤسسات الغنائية العربية.




Source link
اخبار ألجزيرة

زر الذهاب إلى الأعلى