اخبار مصر جوهر العطاء

اخبار مصر -البديل 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ
AMP '

اخبار مصر اليوم بعض الناس يعتقدون أن العطاء هو فى الأساس مجرد التبرع بالنقود. لقد كسبنا الكثير من المال وسنمنح بعضه للفقراء والمحتاجين. وفى الوقت الحاضر، أصبح العطاء رمزا للمكانة، فكلما تبرعنا أكثر زادت مكانتنا أكثر، كلما كانت موائد الرحمن التى نقيمها فى شهر رمضان أكبر زادت أهميتنا أكثر. وبالطبع يمكن للتبرع بالمال أن يساعد الأثرياء على الخلاص من الإحساس بالذنب الناتج عن الاستمتاع بملذات الحياة وسط عالم من التعساء والمظلومين. لا يوجد أى شىء خاطئ فى أى من ذلك، لكن هذا العطاء يمكن أن يتخذ عشرات الأشكال المختلفة الأخرى، وهو يتجلى بالقدر نفسه فى كل الأعمال العظيمة وأيضا فى أقل مظاهر الإحسان.

النصح والإرشاد هما من أشكال العطاء. التبرع بالوقت لا يقل فى أهميته عن التبرع بالمال. توجيه أعمالنا للصالح العام بدلا من المنفعة الخاصة، هو شكل من أشكال العطاء. التنازل عن بعض من راحتنا لصالح كبار السن أو السيدات أو المعوقين هو أحد أشكال العطاء. وعندما ينطوى العطاء على مقدار معقول من المال، نشعر بالحاجة إلى أن نصاحبه بكلمة طيبة ونطلق على ذلك لفظ البر.
يمكن للمال أن يكون عونا، بالطبع يمكنه ذلك، لكنه ليس جوهر العطاء. إن جوهر العطاء هو الروح التى يمارس بها العطاء، وتنمية هذه الروح هى أمر فى إمكاننا جميعا. قرأت مؤخرا قصة تقدم مثالا مذهلا على مثل هذا النوع من العطاء الذى يستلزم المشاركة الفعالة.
فى سنة 1990، طلب رئيس تحرير مجلة أمريكية من أحد الصحفيين أن يكتب مقالا عن الرئيس الأمريكى السابق جيمى كارتر. كان كارتر فى هذه السنوات يكرس الكثير من وقته لمؤسسة خيرية تبنى المساكن للمشردين، والمدمنين الذين يتعافون من تعاطى المخدرات، والأسر التى فقدت أحد الوالدين، والأشخاص الذين يواجهون ظروفا مالية صعبة. كانت الطريقة الوحيدة للوصول إلى الرئيس السابق من خلال المكتب الإعلامى للمؤسسة، لذا فقد اتصل الصحفى بهم هاتفيا وسألهم إن كان بإمكانهم ترتيب لقاء.
كانوا مسرورين للقيام بذلك، لكن كان هناك ثمن لهذا العرض. فى مقابل فرصة لقاء كارتر، كان يجب على الصحفى أن يتبرع بيوم كامل لصالح المؤسسة يقضيه فى العمل الميدانى. وافق الصحفى بالطبع، لكن دون أن يعلم بالضبط ما الذى سينخرط فيه. تلقى بعد ذلك مكالمة هاتفية تعلمه بأن يتواجد فى عنوان محدد فى مدينة فيلادلفيا فى يوم محدد من شهر أغسطس فى تمام الساعة الثامنة صباحا، حيث سيعمل الرئيس السابق وقرينته فى موقع بناء فى هذا اليوم. سينضم الصحفى لطاقم العاملين معهم، ويصبح بإمكانه إجراء المقابلة عند انتهاء عمل هذا اليوم.
وقد تصادف أن هذا اليوم كان يوما شديد الحرارة، كتب الصحفى يقول: “بدرجة حرارة بلغت 38 درجة مئوية ونسبة رطوبة عالية وشمس ساطعة شديدة القيظ، قابلت الأشخاص الآخرين فى فريق العمل، وكان ضمنهم أسرة كارتر. حضرنا اجتماعا قصيرا للتعارف وتحديد المهام. وبما أن خبرتى فى البناء كانت معدومة، فقد كانت مهمتى هى حمل الأشياء. كنت أحمل ألواح الخشب وبلاطات القرميد الخاص بالكسوة الخارجية للبناء. لكن المغزى من القصة لم يكن ما فعلته، بل كان ما فعله كارتر. يمكن أن أكون شخصا متشائما، لكن توقعت أن الرئيس السابق والسيدة الأولى سيحضران العمل بشكل صورى. اعتقدت أنهما سيظهران فى مكان العمل ويطرقان على مسمار أو مسمارين بشكل رمزى، ويقفان لالتقاط الصور الفوتوغرافية، ثم يجلسان بعد ذلك فى مكان ظليل، فكارتر كان يحكم أقوى دولة فى العالم، أليس ذلك بكاف؟”.
ويسترسل الصحفى قائلا: “اتضح أن ذلك لم يكن كافيا بأية حال من الأحوال بالنسبة لكارتر، ويجب أن أقول إننى قد شعرت بالخزى بسبب توقعى السابق. لقد عمل الزوجان بالاجتهاد نفسه الذى عمل به الجميع. كان جيمى – الاسم الذى يحب كارتر أن ينادى به – ينحنى على طاولة كبيرة بها منشار كهربى ويقطع ألواح الخشب. أما زوجته روزالين فكانت تحدد المقاسات، وتضع الكسوة الخارجية فى مكانها، وتتأكد من ملاءمتها. كانت ترتدى قبعة كبيرة لتستظل بها، ومع ذلك فقد كان وجهها يتورد حمرة من الحرارة. بينما ارتدى الرئيس السابق نظارة واقية والتى ظهر البخار على زجاجها بسبب الرطوبة”.
على مدار اليوم، تجاذب الصحفى أطراف الحديث مع الزوجين. لكن الحوار كان فى أغلبه يدور حول أشياء مثل “ضع هذا هناك”، أو “هل يبدو هذا مستقيما بالنسبة لك؟”. بمعنى آخر، كان الرئيس السابق يوضح أن الأمر لا يدور حوله هو، بل كان يتعلق بالمهمة التى يعكفون عليها. لم يكن كارتر يتواجد فى هذا المكان بوصفه شخصية شهيرة، بل كان بوصفه إنسانا يوظف مهاراته وجهده لخدمة هدف يؤمن به حقا.
عمل الصحفى حتى الساعة الرابعة عصرا، والتى عندها كان المنزل قد بدأ يتشكل جزئيا، وكان الجميع يشعر بالتعب والعطش. ثم حضر الوسيط الإعلامى وسأل الصحفى إن كان مستعدا للمقابلة. أدرك الصحفى حينها أنه ليس بحاجة إلى إجراء المقابلة، وأن المقابلة فى حقيقة الأمر لن تكون لها ضرورة الآن. فما الذى يمكن أن يقوله كارتر ولم يكن قد أظهره بالفعل؟ عما يمكنه أن يسأله ولم تكن أفعاله قد أجابت عنه بالفعل؟ المقابلة يمكن أن تكون مجرد كلمات فحسب، بينما كان اليوم بأكمله يدور حول الأفعال. لذا فقد صافح الصحفى الرئيس السابق وشكره على شرف العمل بجانبه، وأجاب كارتر بأن القيام بهذا العمل كان شرفا لنا جميعا.
تظهر القصة السابقة بعض الاختلافات الجوهرية فى فن العطاء. قصة جيمى كارتر أوضحت أن القيام بعمل بدنى فى حرارة مرتفعة وقيظ شديد، حتى بالنسبة لرئيس سابق لدولة كبرى، لهو شرف عظيم، وأوضحت أيضا أنه ليس المهم قدر العطاء بل قدر الحب الذى يصاحب هذا العطاء.

بوابتك العربية محرك بحث اخبارى و تخلي بوابتك العربية مسئوليتها الكاملة عن محتوي الخبر او الصور وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا (اخبار مصر -البديل) كما يتحمل الناشر الاصلى حقوق النشر و وحقوق الملكية الفكرية للخبر .تم نقل هذا الخبر اوتوماتيكيا وليس عن طريق احد محرري الموقع من مصدره الاصلي وتقع مسئولية صحة الخبر من عدمة علي عاتقهم, وفي حالة امتلاكك للخبر وتريد حذفة او تكذيبة يرجي الرجوع الي المصدر الاصلي للخبر اولا ثم مراسلتنا لحذف الخبر، ونحن نرحب باي اتصال بخصوص الاخبار المنشورة تبعنا, لاننا موقع محايد ونرحب بكل الاراء

أخبار ذات صلة

0 تعليق

بوابتك العربية بوابتك العربية بوابتك العربية